حيدر حب الله

48

فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

يقال : شكّلوا جماعة منكم تتولى الأمر الفلاني ، فإنّ ظاهر هذا الكلام أن هذه الجماعة متعيّنة ولو بعد التشكيل ، لا ترديد ولا تبادل فيها ، على خلاف الحال في الأمر والنهي الكفائيين القائمين على الترديد والتبادل . التخريج الثالث : أن نفترض - كما ذكر المراغي وعبده وغيرهما - أن الآية الأولى خطابٌ موجّه للمؤمنين كافة ، بأن ينتخبوا منهم أمة تقوم بهذه الفريضة ، وذلك بأن يكون لكلّ فرد منهم إرادة وعمل في إيجادها ومراقبتها ونقدها وتصويب حركتها « 1 » ؛ وبهذه الطريقة تساهم الأمة كلّها في الأمر والنهي ، ومعه يتم التوفيق بين هذه الآية وسائر آيات الأمر والنهي الظاهرة في نسبتهما لمجموع الأمة . وهذا التخريج جيّد ، إلا إذا قيل بأنّه لا دلالة في الآية الأولى هنا على أمر الأمّة أو مساهمتها في تكوين الجماعة الآمرة الناهية ؛ فالآية لم تقل : واجعلوا من بينكم أمةً تأمر وتنهى . . وإنما حكت عن الواقع لا الفعل الذي يحقِّق الواقع ، فقالت : ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ . . ) والفرق واضحٌ بين الخطابين ؛ فلو تحقّق أن وجدت المجموعة الآمرة الناهية دون مساهمةٍ من الأمة تحقّق المطلوب ، بل حتى لو عارضت الأمة ذلك ، وإن كان يمكن النقد على هذا القول بأنّه غير عرفي ؛ لأنّ صيغة : ولتكن منكم ، قد تكون - على حدّ تعبير ابن عاشور « 2 » - أصرح في الطلب من صيغة : افعلوا . كما أنّ النتيجة التي يتوصّل إليها هذا التخريج غير قادرة على حلّ المشكل الفقهي السائد في المواقف الفقهية بين العلماء ؛ لأنّ معنى هذا الحلّ أنّ الأمّة إذا ساهمت في تكوين الجماعة الآمرة والناهية سقط التكليف الملقى على عاتقها ، وتحقّقت نسبة الأمر والنهي إليها ، فبعد تكوين هذه الجماعة لا يجب على أحد من أفراد الأمّة - غير أفراد هذه الجماعة - أن يأمر وينهى حتى لو تحققت معه وأمامه

--> ( 1 ) تفسير المراغي 2 : 22 ؛ وتفسير المنار 4 : 36 ؛ والمنتظري ، دراسات في ولاية الفقيه 2 : 227 . ( 2 ) راجع : ابن عاشور ، التحرير والتنوير 3 : 179 .